نخبة من الأكاديميين

455

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أو تلك منزهة ومقدسة في ثقافة الآخرين واعتقاداتهم إلى درجة الاستعداد لتقديم أرواحهم فداء لها وذوداً عن حرماتها « 1 » . ولنتصور من بعد كيف تكون الحال وردات الفعل ، إذا أبى غير التقديسيين ورفضوا ، عن سابق تصور وتصميم منهم ، أو تجاهلوا ، تنزيه واحترام ما يؤمن به التقديسيون ؟ ! . التصوير الكاريكاتوري مثلًا ، أو ما يسمى ب - « الأسلوب الكاريكاتوري » ، هو في الغرب كما في العالم كله لغة ، وهو خطاب ، غالباً ما يميلان إلى النقد المذاب في المفارقة أو التضاد بين الحقيقي والمتخيل ، وما بينهما تتكون السخرية التي على ظهرها تحمل الرسائل من الباث المرسِلْ إلى المتلقي . في الغرب تُرسم الشخصيات العامة والهامة أو ترمَّز القضايا التي تعني الغربيين بالكاريكاتور عادةً ، وأصبحت كذلك الحال عند غيرهم في العالم . أما ترميز المقدسات الدينية المسيحية بهذا الأسلوب بقصد الإضحاك والسخرية فترفضه الكنيسة في المبدأ طبعاً ، لكن ردها عليه ، إنْ حصل ، فغالباً ما يأتي تنديداً أو إدانة ولا يصل الأمر إلى حد المواقف الردعية والملاحقة القانونية التأديبية التي من شأنها قطع دابر التصرف من أساسه ومنع تكرار الفعل منعاً باتاً . لكن الرأي العام لا يستسيغ ، بالرغم من علمانيته المنتشرة على نطاق واسع ، مقاربة المقدسات الدينية كاريكاتورياً ويعتبرها بالأقل - غير لائقة ، تماماً كما في حالة السخرية الكاريكاتورية من أصحاب العاهات أو الحاجات الخاصة كما يرى O . Roy . وقد يطلب في حال الإساءة سحبها و / أو الاعتذار . أما التحريم النهائي والحاسم بالقانون المسُّ بالمقدسات الدينية فهو في الغرب متفاوت في التساهل أو في " التشدد " النسبيين . إذا أضفنا إلى دور الثقافة العلمانية في تعبيد السبل وتوفير الشروط والقابليات لنشوء ظاهرة الرسوم الكاريكاتورية أو ما يماثلها ، دور الحريات الشخصية والعامة في الغرب التي رفعت فوقها السقوف إلى درجة أحياناً أثارت اعتراض كثير من الغربيين أنفسهم ، عندها تتخذ محاولة فهم تلك الرسوم بعداً أقرب إلى الحقيقة . في ضوء هذه الأسباب والمعايير كلها وبهدي دلالاتها ، نقدر أن التربة الإيديولوجية والثقافية وتاريخ مقاربة مسألة الحريات وطبيعة العقد الاجتماعي المتوافق عليه في الغرب ( CONSENSUS ) ومسألة الحريات الدستورية والقانونية ، وبالأخص ما يتعلق منها بحرية الرأي والتعبير والإعلام والفن « 2 » ، وتطور المنظومة المعيارية والعلائقية الغرب والعالم الإسلامي بمستوياتها كافة ، هذه كلها صالحة لإِنبَات هذا النوع من الأفاعيل المستتبع كل منها بسجالات فكرية وإعلامية واعترضيات احتجاجية على الأرض ، لا تلبث أن تهدأ ، أو تحفظ ، أو تهمل تستعاد مجدداً بعد كل أفعولة جديدة أو ارتكاب جديد لا يبدو بأن مسلسلاتها قابله للإختدام في المدى المنظر على ما نقدره . الغ - رب مسلموه : قبالة حالة الاحتقان والتورم التي ما انفكت متراوحة بين التجميد المؤقت والتأزم في أوساط مختلف شرائح المجتمعات الغربية ضد الإسلام والمسلمين وبخاصة بعد 11 أيلول 2001 لتتخذ أشكالًا هجومية

--> ( 1 ) أنظر المقالة الهامة التي كتبها قائد الأوركسترا الإسرائيلي " دانيال بارنباوم " في صحيفة " Le Monde " الفرنسية 5 تشرين الأول / أكتوبر ، 2006 . ( 2 ) راجع البيان الختامي لأئمة أوروبا . . . ( م . س ) .